الذهبي
76
سير أعلام النبلاء
خثيم ، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر ، أن أبا ذر حضره الموت بالربذة ، فبكت امرأته ، فقال : وما يبكيك ؟ قالت : أبكي أنه لابد من تغييبك . وليس عندي ثوب يسعك كفنا . قال : لا تبكي . فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، وأنا عنده في نفر ، يقول : " ليموتن رجل منكم بفلاة تشهده عصابة من المؤمنين " فكلهم ( 1 ) مات في جماعة وقرية ، فلم يبق غيري ، وقد أصبحت بالفلاة أموت ، فراقبي الطريق ، فإنك سوف ترين ما أقول ، ما كذبت ، ولا كذبت . قالت : وأنى ذلك وقد انقطع الحاج ؟ ! قال : راقبي [ الطريق ] فبينا هي كذلك ، إذ هي بالقوم [ تخب بهم رواحلهم ] كأنهم الرخم ( 2 ) ، فأقبلوا حتى وقفوا عليها . قالوا : مالك ؟ قالت : رجل من المسلمين تكفنونه ، وتؤجرون فيه . قالوا : ومن هو ؟ قالت : أبو ذر . فقدوه بآبائهم وأمهاتهم ، ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه . فقال : أبشروا ، أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال . سمعته يقول : " ما من امرأين من المسلمين هلك بينهما ولدان [ أو ثلاثة ] فاحتسبا وصبرا ، فيريان النار أبدا " . ثم قال : وقد أصبحت اليوم حيث ترون ، ولو أن ثوبا من ثيابي يسعني لم أكفن إلا فيه . أنشدكم الله : أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا .
--> ( 1 ) في " الطبقات " فكل من كان معي في ذلك المجلس . ( 2 ) تخب : تسرع ، والرخم ، جمع رخمة ، وهو : طائر أبقع على شكل النسر خلقة إلا أنه مبقع بسواد وبياض .